ابن كثير
45
البداية والنهاية
فقصد عمه قرواشا فأقره وساعده على أموره . وفيها هلك ملك الروم أرمانوس ، فملكهم رجل ليس من بيت ملكهم ، قد كان صيرفيا في بعض الأحيان ، إلا أنه كان من سلالة الملك قسطنطين . وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام فهدمت شيئا كثيرا ، ومات تحت الردم خلق كثير ، وانهدم من الرملة ثلثها ، وتقطع جامعها تقطيعا ، وخرج أهلها منها هاربين ، فأقاموا بظاهرها ثمانية أيام ، ثم سكن الحال فعادوا إليها ، وسقط بعض حائط بيت المقدس ، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة ، ومن مسجد إبراهيم قطعة ، وسلمت الحجرة ، وسقطت منارة عسقلان ، ورأس منارة غزة ، وسقط نصف بنيان نابلس ، وخسف بقرية البارزاد وبأهلها وبقرها وغنمها ، وساخت في الأرض . وكذلك قرى كثيرة هنالك ، وذكر ذلك ابن الجوزي . ووقع غلاء شديد ببلاد إفريقية ، وعصفت ريح سوداء بنصيبين فألقت شيئا كثيرا من الأشجار كالتوت والجوز والعناب ، واقتلعت قصرا مشيدا بحجارة وآجر وكلس فألقته وأهله فهلكوا ، ثم سقط مع ذلك مطر أمثال الأكف ، والزنود والأصابع ، وجزر البحر من تلك الناحية ثلاث فراسخ ، فذهب الناس خلف السمك فرجع البحر عليهم فهلكوا . وفيها كثر الموت بالخوانيق حتى كان يغلق الباب على من في الدار كلهم موتى ، وأكثر ذلك كان ببغداد ، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة سبعون ألفا . وفيها وقعت الفتنة بين السنة والروافض حتى بين العيارين من الفريقين من ابنا الأصفهاني وهما مقدمي عيارين أهل السنة ، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة فضاق عليهم الحال ، وقتل ابن البرجمي وأخوه في هذه السنة . ولم يحج أحد من أهل العراق . وفيها توفي من الأعيان . . . أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الحافظ أبو بكر المعروف بالبرقاني ( 1 ) ، ولد سنة ثلاث ( 2 ) وثلاثين وثلاثمائة ، وسمع الكثير ، ورحل إلى البلاد ، وجمع كتبا كثيرة جدا ، وكان عالما بالقرآن والحديث والفقه والنحو ، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة . قال الأزهري ، إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن ، وما رأيت أتقن منه . وقال غيره : ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث . توفي يوم الخميس مستهل رجب ، وصلى عليه أبو علي بن أبي موسى الهاشمي ، ودفن في مقبرة الجامع ببغداد ، وقد أورد له ابن عساكر من شعره : أعلل نفسي بكتب الحديث * وأجمل فيه لها الموعدا وأشغل نفسي بتصنيفه * وتخريجه دائما سرمدا
--> ( 1 ) البرقاني : نسبة إلى برقان قرية بخوارزم . ( 2 ) في تذكرة الحفاظ / 1074 : ست .